ابن عربي

289

مجموعه رسائل ابن عربي

الموفق السعيد ، فإذا تحقق العبد في مراعاة ما توجه عليه من التكليف في بصره ووقف عندما حد له الشارع وصرفه في بعض ما أباحه وإن استطاع أن لا يصرفه إلّا في واجب أو مندوب فلا يقصر فذلك عندنا صاحب بصر على الحقيقة وأن اللّه تعالى إذا حصل العبد في هذا الباب ولم يتعد الحد المشروع له في بصره إذا شاء يكرمه بكرامات يختص بها المقام وينزله أيضا منازل مختصة به لا ينالها أبدا إلّا صاحب بصر منة منه سبحانه وتعالى فالمنازل قطعا لا تحصل إلّا لأهل الوصول المحققين أهل العناية وأما الكرامات فمن حيث هي كرامات هي لهم ومن حيث هي خرق عوائد قد ينالها الممكور به والمستدرج فإذا وقعت لك يا بني خرق عادة فلا تحجبنك عن نظرك في نفسك كيف هي مع الحد المشروع لك فإن كنت من أهل الاتباع وقام الوزن بين نفسك وما كلفت وجريت مع الشارع بالأدب والامتثال حيث سلك فخذها كرامة واشكر اللّه تعالى عليها وادعه واسأله أن لا يجعلها حظ عملك وأن لا تكون من العاملين لها وإن رأيت نفسك حائدة عن السنن متعدية للحدود الظاهرة في الشرع فلا تنظرها كرامة في حقك وانظرها منبهة لك إن لزمت بعدها الاستقامة كإبراهيم بن أدهم ( رضي اللّه عنه ) حين نودّي من قربوس سرجه وهو غير مستقيم في الحال ثم استقام فكانت له منبهة وكصاحب السرجتين وغيرهما وإن لم تعقبها الإستقامة فانظرها مكرا واستدراجا فأسأل اللّه إلّا قالة والرجوع إلى الجادة والصراط المستقيم فإن نبهك اللّه لهذا النظر فهذه الكرامة التي يقال لها كرامة وكل خرق عادة في ظاهر الكون فاعراض زائلة . الكرامات أنواع فمنها رؤية الزائر له قبل قدومه على مسافة بعيدة أو من خلف حجاب كثيف ورؤية الكعبة عند الصلاة حتى يتوجه إليها وما أشبه هذا ومنها مشاهدة العالم الملكوتي الروحاني والترابي والمراد بهذه الكرامات للعبد أن يشهده اللّه من عجائبه ويريه من آياته ما يزيده رغبة في مقامه وقوة فيما هو بسبيله كما قال تعالى سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا فذكر العلة فإنه إذا صح ورث النبي الصادق ( ص ) في أفعاله بحسن الاتباع والاقتداء ليس ببعيد أن يتحف اللّه عبده الولي بمثل هذه الكرامات التي كانت للنبي ( ص ) بل أزمن تتميم شرفه كرامة من اتبعه وأحبه وأما قولنا العالم الملكوتي الروحاني والترابي فالروحاني الملكوتي كالملائكة والروحاني الجبروتي كالجن عند بعض أصحابنا والروحاني الطيني والترابي كالأبدال فيشاهد الملائكة والملأ الأعلى الذين قال اللّه تعالى فيهم : يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا